فوزي آل سيف

72

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

بالعكس فإن إعمار قبورهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله مخاطبًا أمير المؤمنين عليه السلام: (من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس) وهو دور مشترك وغاية واحدة في جمع الناس إلى عبادة الله وفي أماكن ذكره. لذا اعتمد أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على هذا الأمر، ودعوا إليه، وشجعوا عليه، فكأن في التاريخ طريقين: - طريق الطواغيت وفراعنة الأمة الداعية إلى هدم القبور، وتحطيم الأضرحة، كالمتوكل العباسي وأمثاله. وأشارت إليهم زينب بنت أمير المؤمنين حين قالت لابن أخيها زين العابدين عليه السلام: (لقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون في اهل السماوات انهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتميحه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا) [[243]] وكأن كلا الفريقين يجتهدان: أئمة الكفر وأشياع الضلالة. - وطريق الصالحين والأولياء وعترة النبي في إعمارها وتشييدها. بعد هذا العرض لمسألة القبور وإعمارها، نشير إلى أنه كما حصل تهديم لقبر الإمام الحسين عليه السلام عدة مرات، ولقبور أئمة البقيع وأصحاب النبي والتابعين في 8 شوال سنة 1344 هـ على يد الحالة السلفية فقد تم تفجير مرقد الامامين العسكريين عليهما السلام في 23 محرم 1427هـ. ذلك أنه مع العواصف السوداء التي هبت مؤخرا على عالمنا الإسلامي خلال العقدين الماضيين، والتي أنتجت مسْخًا مشوها من الفهم القشري البليد للدين، والبغض المركّز للمعصومين، والقسوة الاستثنائية مع المختلفين والذي تعنون بعنوان (القاعدة وداعش) أقدمت هذه الفئة التي تنتهج نهج أسلافها التاريخيين على تفجير المرقد الشريف للإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام، في حادثة كان يراد لها من قبل منفذيها أن تكون فتيلا لقنبلة الحرب الأهلية بين مذاهب المسلمين، وفي زعمهم السقيم أن شيعة أهل البيت سيردون على هذا الاعتداء على أضرحة أئمتهم ومشاهدهم بالاعتداء على مساجد ومشاهد أئمة المذاهب الأخرى، وسيدفع هؤلاء إلى الرد وهكذا تتدحرج كرة النار الملتهبة لتحرق كل ما وصلت إليه أو مرت به! وهذا ما يتفنن فيه أولئك فإنهم ليسوا أهل علم أو ابداع أو بناء حضاري، وإنما شطارتهم وقدرتهم هي في التدمير والتفجير والهدم والقتل! فمن ذا ينافسهم فيه؟ إلا أن الله سبحانه وتعالى الذي حمى دينه وأمة نبيه المصطفى في طول تاريخها بالعترة الطاهرة، بدءا من سيدهم أمير المؤمنين وانتهاء بآخر الأئمة عليهم السلام، وكما اجتازوا بها بحار الشك الفكري ومحيطات الفتن الداخلية، فكانوا كما قال جدهم (كمثل سفينة نوح) حيث أنقذوا الأمة من كل ذلك. الله الذي حماها في ما سبق حماها في هذه الأزمنة بالمرجعية الدينية الشيعية الرشيدة التي كانت حازمة في أمر الناس بأن لا ينساقوا وراء الاستدراج للفتنة الطائفية والحرب المذهبية، ووقفوا بعزم أمام دعوات الثأر والانتقام، وتجرعوا علقم الجرح والتضحيات من أجل سلامة هذه الأمة.. وهذا ما حصل بفضل الله تعالى حيث رد الله أصحاب الفتن (بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) وسجل هذا الموقف بأحرف المجد إضافة إلى سائر صفحات كتاب الأمة في رصيد المرجعية الدينية الشيعية. تم إعمار المرقد الشريف بنحو أفضل مما كان عليه في السابق وأعيدت القبة الذهبية التي تعد من أكبر القباب المذهبة في العالم حيث يبلغ محيطها 68 مترا، ويبلغ عدد قطعها الذهبية فيما قيل 72 ألف قطعة مذهبة، هذا بالإضافة إلى منائره المذهبة الشاهقة في عنان السماء.

--> 243 ] جامع أحاديث الشيعة: ج12، ص439.